الشيخ السبحاني

254

رسائل ومقالات

وأمّا العقيدة بمعنى عقد القلب على شيء وأنّه الحق تماماً دون غيره فتختلف عن الأحكام الفرعية ، فهي رهن أُسس ومبادئ تقود الإنسان إلى الإذعان على نحوٍ لولاها لما حصلت له تلك الحالة وإن شاء وأصرّ على حصول اليقين . فالعمل بالأحكام من مقولة الفعل وهو واقع تحت إرادة الإنسان ، ربّما يعمل بما لا يجزم بصحته كما يعمل مع الجزم بها ، ومثال ذلك أنّ أئمة المذاهب الفقهية مختلفون في الآراء والمصيب منهم واحد ، ومع ذلك فأتباع كل إمام يعملون بفقهه مع علمهم بخطئه إجمالًا في بعض الآراء لعدم عصمته . ولكن الإذعان من مقولة انفعال النفس بالمبادئ الّتي تؤثر في طروء هذه الحالة على صحيفتها ، ولولا تلك المبادئ لما ترى له أثراً في الذهن . يقول سبحانه : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » . « 1 » ما ذا يريد اللَّه سبحانه من هذه الجملة ؟ هل يريد أنّ الدين لا يمكن أن يتعلّق به إكراه ؟ ! لأنّه من شؤون القلب الخارجة عن القدرة ، تماماً كالتصورات الذهنية ، وانّما يتعلّق الإكراه بالأقوال والأفعال الّتي يمكن صدورها عن إرادة القائل والفاعل . « 2 » يقول العلّامة الطباطبائي : إنّ الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية الّتي تتبعها أُخرى عملية ، يجمعها أنّها اعتقادات ، والاعتقاد والإيمان من الأُمور القلبية الّتي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار ، فإنّ الإكراه إنّما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية . وأمّا الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أُخرى قلبية من سنخ الاعتقاد

--> ( 1 ) . البقرة : 256 . ( 2 ) . تفسير الكاشف : 1 / 396 .